أحمد بن علي القلقشندي

203

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ونحن وإن كنّا لا نستجيز أن نلحق أحدا بطباع عمر ومذهبه ، وفضل قوّته ، وتمام عزمه ، فإنّا لا نجد بدّا من معرفة فضل كلّ من استقامت طريقته ، ودامت خليقته ، فلم يتغيّر عند تتابع النّعم ، وتظاهر الصّنع ، وإن كانت النّعم مختلفة الأجناس ، ومتفاوتة في الطَّبقات . وكيف يلحق به أحد ؟ مع قوله : « لو أنّ الصّبر والشّكر بعيران ما باليت أيّهما ركبت » ، ولكنّا على حال لا ندع تعظيم كلّ من بان من نظرائه في المرتبة ، وأشباهه في المنزلة ، إذ كان أدومهم طريقة ، وأشدّهم مريرة ، وأمضاهم على الجادّة الوسطى ، وأقدرهم على المحجّة العظمى . ولا بدّ من أن يعطى كلّ رئيس قسطه ، وكلّ زمان حظَّه ؛ ولا يعجبني قول القائل : لم يدع الأوّل للآخر شيئا ، بل لعمري لقد ترك له العريض الطَّويل ، والثّمين الخطير ، واللَّقم ( 1 ) النّهج ، والمنهج الرّحب . ولو أنّ الناس مذ جرت هذه الكلمة على أفواه العوام ، وأعجب بها الأغمار من الرّجال - قلَّدوا هذا الحكم ، واستسلموا لهذا المذهب ، وأهملوا الرّويّة ، ويئسوا من الفائدة ، [ إذن ] لقد كان ارتفع من الدّنيا نفع كثير ، وعلم غزير . وأيّ زمان بعد زمان النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أحقّ بالتّفضيل ، وأولى بالتقديم ، من زمان ظهرت فيه الدّعوة الهاشميّة ، والدّولة العبّاسيّة ، ثم زمان المتوكَّل على اللَّه ، والنّاصر لدين اللَّه ، والإمام الذي جلّ فكره ، وكثر شغله بتصفية الدّين وتهذيبه ، وتلخيصه وتنقيحه ، وإعزازه وتأييده ، واجتماع كلمته ، ورجوع ألفته . وقد سمعت من يقول - ويستشهد العيان القاهر ، والخبر المتظاهر - : ما رأيت في زماننا من كفاة السّلطان وولاته ، وأعوانه وحماته ، من كان يؤمّل لمحلَّك ، ويتقدّم في التّأهّب له ، إلا وقد كان معه من البذخ والنّفخ ، ومن الصّلف والعجب ، ومن الخيلاء ، ومن إفراط التّغيّر للأولياء ، والتّهكَّم على الخلطاء ، ومن سوء اللقاء ، ما لا خفاء به على كاتب

--> ( 1 ) أي الطريق الواضح .